فصل: تفسير الآية رقم (133):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (128- 129):

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)}
{رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مخلِصين لك أو مستسلمين من أَسلم إذا استسلم وانقادَ وأياً ما كان فالمطلوبُ الزيادةُ والثباتُ على ما كانا عليه من الإخلاصِ والإذعانِ وقرئ {مسلِمين} على صيغة الجمع بإدخال هاجَرَ معهما في الدعاء أو لأن التثنية من مراتب الجمع.
{وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ الكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله عز وجل فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل: لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا وقيل: أراد بالأمة المسلمة أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جوّز أن يكونَ {من} مبينة قدّمت على المبين وفُصل بها بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى: {وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ} والأصلُ وأمةً مسلمةً لك من ذريتنا {وَأَرِنَا} من الرؤية بمعنى الإبصارِ أو بمعنى التعريفِ أي بصِّرنا أو عرِّفنا {مَنَاسِكَنَا} أي متعبداتِنا في الحج أو مذابحَنا، والنُسُك في الأصل غايةُ العبادة وشاعَ في الحج لما فيه من الكُلفة والبعد عن العادة وقرئ {أرنا} قياساً على فخذ في فخذ وفيه إجحاف لأن الكسرة المنقولة من الهمزة الساقطةِ دليل عليها وقرئ بالاختلاس {وَتُبْ عَلَيْنَا} استتابة لذريتهما، وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهواً ولعلهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما {إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم} وهو تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاء للإجابة قيل: إذا أراد العبد أن يُستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ} أي في الأمة المسلمة {رَسُولاً مّنْهُمْ} أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي أُجيب به دعوتُهما عليهما السلام رُوي أنه قيل له: قد استُجيب لك وهو في آخر الزمان قال عليه السلام: «أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى ورُؤيا أمي» وتخصيصُ إبراهيمَ عليه السلام بالاستجابة له أنه الأصل في الدعاء وإسماعيلُ تبعٌ له عليه السلام {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك} يقرأ ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات {وَيُعَلّمُهُمُ} بحسب قوتِهم النظرية {الكتاب} أي القرآن {والحكمة} وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة {وَيُزَكّيهِمْ} بحسب قوتهم العملية أي يطهِّرهم عن دنس الشرك وفنون المعاصي {إِنَّكَ أَنتَ العزيز} الذي لا يُقهر ولا يغلب على ما يريد {الحكيم} الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ، والجملة تعليلٌ للدعاء وإجابةِ المسؤول فإن وصفَ الحكمةِ مقتضٍ لإفاضة ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور التي من جملتها بعثُ الرسول، ووصفُ العزة مستدعٍ لامتناع وجود المانِع بالمرة.

.تفسير الآية رقم (130):

{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)}
{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم} إنكارٌ واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغبُ عن ملته التي هي الحقُّ الصريحُ والدين الصحيحُ أي لا يرغب عن ملته الواضحةِ الغراء {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي أذلّها واستمهَنها واستخَفّ بها، وقيل: خسِر نفسه وقيل: أوبقَ أو أهلكَ أو جهَّلَ نفسَه. قال المبرِّدُ وثعلبٌ: سفِه بالكسر متعدَ وبالضم لازم، ويشهد له ما ورد في الخبر: «أنْ تَسْفَه الحَقَّ وتَغْمِصَ النَّاسَ» وقيل: معناه ضل من قِبَل نفسِه وقيل: أصلُه سفِه نفسُه بالرفع فنصب على التمييز نحو غَبِن رأيُه وألِمَ رأسُه ونحو قوله:
ونأخُذُ بعده بذِناب عيش ** أجبِّ الظهرِ ليس له سَنامُ

وقوله:
وما قومي بثعلبةَ بن سعد ** ولا بفزارةَ الشُّعْرَ الرقابا

ذلك لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه أحدٌ من العقلاء فقد بالغ في إذلالِ نفسه وذلتها وإهانتِها حيث خالف بها كلَّ نفس عاقلة. روي أن عبد اللَّه بن سلام دعا ابني أخيه سلمةَ ومُهاجِراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعثٌ من ولد إسماعيل نبياً اسمُه أحمدُ فمن آمن به فقد اهتدى ورشَد ومن لم يؤمن فهو ملعون فأسلم سلمةُ وأبي مهاجر فنزلت {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} أي اخترناه بالنبوة والحكمة من بين سائر الخلق وأصله اتخاذُ صفوة الشيء كما أن أصلَ الاختيارِ اتخاذُ خيرِه واللامُ جواب قسم محذوف والواو اعتراضية والجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي وبالله لقد اصطفيناه وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين} أي من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، معطوفٌ عليها داخلٌ في حيز القسم مؤكدٌ لمضمونها مقرِّرة لما تقرِّره ولا حاجة إلى جعله اعتراضاً آخرَ أو حالاً مقدرة فإن مَنْ كان صفوةً للعباد في الدنيا مشهوداً له بالصلاح في الآخرة كان حقيقاً بالاتباع لا يَرغبُ عن ملته إلا سفيهٌ أو متسفّهٌ أذل نفسَه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل، وإيثارُ الاسمية لما أن انتظامه في زُمرة صالحي أهلِ الآخرة أمرٌ مستمرٌ في الدارين لا أنه يحدُث في الآخرة، والتأكيدُ بـ {إن} واللام لما أن الأمورَ الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتُها إلى التأكيد أشدُّ من الأمور التي تُشاهد آثارُها، وكلمة {في} متعلقةٌ بالصالحين على أن اللام للتعريف وليست بموصولة حتى يلزم تقديمُ بعض الصلة عليها على أنه قد يُغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله:
ربيتُه حتى إذا تَمْعَددا ** كان جزائي بالعصا أن أُجلَدا

أو بمحذوف من لفظه أي وأنه لصالحٌ في الآخرة لمن الصالحين أو من غير لفظه أي أعني في الآخرة نحو لك بعدَ رَعْياً وقيل: هي متعلقةٌ باصطفيناه على أن في النظم الكريم تقديماً وتأخيراً تقديرُه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين.

.تفسير الآيات (131- 132):

{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)}
{إِذْ قَالَ لَهُ} ظرفٌ لاصطفيناه لما أن المتوسِّط ليس بأجنبي بل هو مقرِّر له لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو بالنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة أو تعليلٌ له منصوب باذكُرْ كأنه قيل: اذكر ذلك الوقتَ لتقف على أنه المصطفى الصالحُ المستحِقُّ للإمامة والتقدم، وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أُمر به وإخلاصِ سرِّه على أحسنِ ما يكون حين قال له {رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي لربك {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين} وليس الأمرُ على حقيقته بل هو تمثيلٌ والمعنى أخطر بباله دلائلَ التوحيد المؤديةَ إلى المعرفة الداعيةَ إلى الإسلام من الكوكب والقمر والشمسِ وقيل: أسلم أي أذعِنْ وأطع وقيل: اثبُتْ على ما أنت عليه من الإسلام والإخلاصِ أو استقمْ وفوِّضْ أمورك إلى الله تعالى فالأمرُ على حقيقته، والالتفاتُ مع التعرض لعنوان الربوبيةِ والإضافةِ إليه عليه السلام لإظهارِ مزيدِ اللطفِ به والاعتناءِ بتربيته، وإضافةُ الرب في جوابه عليه الصلاة والسلام إلى {العالمين} للإيذان بكمال قوةِ إسلامِه حيث أيقنَ حين النظر بشمولِ ربوبيتِه للعالمين قاطبةً لا لنفسِه وحده كما هو المأمور به {ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ} شروعٌ في بيان تكميلِه عليه السلام لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته عليه السلام، والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ، وأصلُها الوَصْلة يقال: وصّاه إذا وصَله وفصّاه إذا فَصَله كأن الموصِيَ يصِلُ فعلُه بفعل الوصيّ، والضمير في بها للمِلّة أو قولِه أسلمتُ لرب العالمين بتأويل الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالى: {إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذي فَطَرَنِى} في قوله عز وجل: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ} وقرئ {أوصى} والأول أبلغُ {وَيَعْقُوبَ} عطفٌ على إبراهيمُ أي وصَّى بها هو أيضاً بنيه وقرئ بالنصب عطفاً على بنيه {أَوْ بَنِى} على إضمار القولِ عند البصريين ومتعلق بوصَّى عند الكوفيين لأنه في معنى القول كما في قوله:
رَجْلانِ من ضَبَّةَ أخبرانا ** إنا رأَيْنا رَجُلاً عُريانا

فهو عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في معنى القول وقرئ {أن يا بني}، وبنو إبراهيمَ عليه السلام كانوا أربعةً: إسماعيلُ وإسحاقُ ومدينُ ومدان وقيل: ثمانيةٌ وقيل: أربعةً وعشرين وكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ: روبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون وزوانا وتفتونا وكوذا وأوشير وبنيامين ويوسف عليه السلام {إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين} دين الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان ولا دينَ غيرُه عنده تعالى: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} ظاهرُه النهيُ عن الموت على خلاف حال الإسلام والمقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبداً كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشِعٌ، وتغييرُ العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موتٌ لا خيرَ فيه وأن حقه أن لا يِحلَّ بهم وأنه يجب أن يحذَروه غايةَ الحذَر، ونظيرُه مُتْ وأنت شهيدٌ رُوي أن اليهودَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألستَ تعلم أن يعقوبَ أوصى باليهودية يوم مات؟

.تفسير الآية رقم (133):

{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)}
فنزلت {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت} أم منقطعةٌ مقدّرة ببل والهمزة، والخطابُ لأهل الكتاب الراغبين عن ملة إبراهيمَ وشهداءَ جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضِر و{إذ}ظرفٌ لشهداءَ والمرادُ بحضور الموت حضورُ أسبابه وتقديمُ يعقوبَ عليه السلام للاهتمام به إذ المرادُ بيانُ كيفية وصيته لبنيه بعد ما بين ذلك إجمالاً ومعنى بل الإضرابُ والانتقال عن توبيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيم عليه السلام إلى توبيخهم على افترائهم على يعقوبَ عليه السلام باليهودية حسبما حُكي عنهم وأما تعميمُ الافتراء هاهنا لسائر الأنبياءِ عليهم السلام كما قيل فيأباه تخصيصُ يعقوبَ بالذكر، وما سيأتي من قوله عز وجل: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم} إلخ ومعنى الهمزة إنكارُ وقوعِ الشهود عند احتضارِه عليه السلام وتبكيتُهم، وقولُه تعالى: {إِذْ قَالَ} بدلٌ من إذ حَضَر أي ما كنتم حاضرين عند احتضارِه عليه السلام وقولِه: {لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى} أي أيَّ شيءٍ تعبدُونه بعد موتي فمن أين لكم أن تدّعوا عليه عليه السلام ما تدّعون رجماً بالغيب وعند هذا تم التوبيخُ والإنكار والتبكيتُ، ثم بَيّن أن الأمر قد جُرِّبَ حينئذ على خلاف ما زعموا وأنه عليه السلام أراد بسؤاله ذلك تقريرَ بنيه على التوحيد والإسلامِ وأخذَ ميثاقِهم على الثبات عليهما إذ به يتِمُّ وصيّتُه بقوله: فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمونَ. و{ما} يُسأل به عن كل شيء ما لم يُعرَّفْ فإذا عُرِّف خَصَّ العقلأَ بمَنْ إذا سئل عن شيء بعينه وإنْ سُئل عن وصفِه قيل: ما زيدٌ؟ أفقيهٌ أم طبيبٌ؟ فقوله تعالى: {قَالُواْ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن حكاية سؤال يعقوبَ عليه السلام كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا: {نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} حسبما كان مرادُ أبيهم بالسؤال أي نعبدُ الإله المتفَّقَ على وجوده وإلهيته ووجوبِ عبادته، وعَدُّ إسماعيلَ من آبائه تغليباً للأب والجد لقوله عليه الصلاة والسلام: «عمُ الرجل صِنْوُ أبيه» وقولِه عليه السلام في العباس: «هذا بقيةُ آبائي» وقرئ {أبيك} على أنه جمع بالواو والنون كما في قوله:
فلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ** بكَيْنَ وفَدَّيْننا بالأبينا

وقد سقطت النون بالإضافة، أو مفردٌ وإبراهيمُ عطفُ بيانٍ له وإسماعيلَ وإسحاقَ معطوفان على أبيك {إلها واحدا} بدل من إله آبائك كقوله تعالى: {بالناصية * نَاصِيَةٍ كاذبة} وفائدته التصريحُ بالتوحيد ودفعُ التوهم الناشىءِ من تكرير المضافِ لتعذر العطفِ على المجرور أو نُصب على الاختصاص {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} حال من فاعل نعبدُ أو من مفعوله أو منهما معاً، ويُحتمل أن يكون اعتراضاً محقّقاً لمضمون ما سبق.

.تفسير الآيات (134- 135):

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)}
{تِلْكَ أُمَّةٌ} مبتدأٌ وخبرٌ، والإشارةُ إلى إبراهيمَ ويعقوبَ وبَنِيهما الموحِّدين، والأمةُ هي الجماعة التي تؤمّها فِرقُ الناس أي يقصِدونها ويقتدون بها {قَدْ خَلَتْ} صفة للخبر أي مضت بالموت وانفردت عمن عداها، وأصلُه صارت إلى الخلاء وهي الأرضُ التي لا أنيس بها {لَهَا مَا كَسَبَتْ} جملةٌ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب أو صفةٌ أخرى لأمة، أو حال من الضمير في خلت وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ إليها محذوف أي لها ما كسبَتْه من الأعمال الصالحةِ المحكيةِ لا تتخطاها إلى غيرها فإن تقديمَ المُسندِ يوجب قصْرَ المُسند إليه عليه كما هو المشهور {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} عطف على نظيرتها على الوجه الأول، وجملةٌ مبتدأة على الوجهين الأخيرين إذ لا رابطَ فيها ولابد منه في الصفة، ولا مقارنة في الزمان ولابد منها في الحال أي لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيرُكم فإن تقديمَ المسند قد يُقصد به قصرُه على المسند إليه كما قيل في قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} أي ولي ديني لا دينُكم وحملُ الجملة الأولى على هذا القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا يساعده المقامُ إذ لا يَتوهم متوهِّم انتفاعَهم بكسب هؤلاء حتى يُحتاج إلى بيان امتناعِه وإنما الذي يُتوهم انتفاعُ هؤلاء بكسبهم فبين امتناعَه بأن أعمالَهم الصالحة مخصوصةٌ بهم لا تتخطاهم إلى غيرهم وليس لهؤلاء إلا ما كسبوا فلا ينفعُهم انتسابُهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعُهم لهم في الأعمال كما قال عليه السلام: «يا بني هاشم لا يأتيني الناسُ بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» {وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إن أجريَ السؤالُ على ظاهره فالجملةُ مقرِّرة لمضمون ما مرَّ من الجملتين تقريراً ظاهراً وأن أريد به سببُه أعني الجزاءَ فهو تتميمٌ لما سبق جارٍ مَجرى النتيجةِ له وأياً ما كان فالمرادُ تخييبُ المخاطَبين وقطعُ أطماعِهم الفارغةِ عن الانتفاع بحسناتِ الأمةِ الخاليةِ وإنما أُطلق العملُ لإثبات الحكم بالطريقِ البرهاني في ضمن قاعدة كليةٍ، هذا وقد جعل السؤال عبارةً عن المؤاخذة والموصول عن السيئات فقيل: أي لا تؤاخَذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم، ولا ريب في أنه مما لا يليق بشأن التنزيلِ كيف لا وهم منزّهون من كسب السيئاتِ فمن أين يُتصوَّر تحميلُها على غيرهم حتى يُتصَدَّى لبيان انتفاعِه {وَقَالُواْ} شروع في بيان فنٍ آخرَ من فنون كفرِهم وهو إضلالُهم لغيرهم إثرَ بيانِ ضلالِهم في أنفسهم والضمير لأهل الكتابين على طريقة الالتفاتِ المُؤْذن باستيجاب حالِهم لإبعادهم من مقام المخاطبةِ والإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتهم عند غيرهم أي قالوا للمؤمنين: {كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى} ليس هذا القولُ مقولاً لكلّهم أو لأيّ طائفةٍ كانت من الطائفتين بل هو موزَّعٌ عليهما على وجه خاصَ يقتضيه حالُهما اقتضاءً مُغنياً عن التصريح به أي قالت اليهودُ: كونوا هوداً، والنصارى: كونوا نصارى ففَعل بالنظم الكريم ما فَعل بقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى} اعتماداً على ظهور المراد {تَهْتَدُواْ} جواب الأمر أن تكونوا كذلك تهتدوا {قُلْ} خطابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل لهم على سبيل الردِّ عليهم وبيانِ ما هو الحقُّ لديهم وإرشادِهم إليه {بَلْ مِلَّةَ إبراهيم} أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهلَ ملتِه عليه السلام وقيل: بل نتبعُ مِلّته عليه السلام، وقد جُوِّز أن يكون المعنى بل اتَّبعوا أنتم ملَّتَه عليه السلام أو كونوا أهلَ ملّته، وقرئ بالرفع أي بل ملتُنا أو أمرُنا مِلّتَه أو نحن مِلَّتُه أي أهلُ ملتِه {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الباطل إلى الحق وهو حالٌ من المضاف إليه كما في رأيت وجهَ هندٍ قائمةً أو المضافِ كما في قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا} إلخ {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} تعريضٌ بهم وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابن الله.